Flag Counter

upside.jpg Hosting at Sudaneseonline.com

اتصل بنا


 

عادل عبد العاطي، عضو المكتب القيادي للحزب الديمقراطي الليبرالي الموحد، وأحد الشخصيات الفاعلة في المهجر وفي الصحافة الالكترونية ووراء كواليس الاحزاب الجديدة والديمقراطية. له مساجلات ومناقشات ساخنة مع الطائفيين والشيوعيين والسلفيين. لا يحبه أهل النظام وكثير من أهل المعارضة. افكاره مثيرة للجدل وشخصيته غامضة وبعده عن ارض السودان يزيدها غموضا. يعتبره البعض مفكرا عميقا بينما يراه البعض الاخر سياسيا مغامرا. من هو عادل عبد العاطي وما هو مشروعه ؟ وما هي سيرة وافكار هذه الشخصية التي يمكن ان تلعب دورا ما في مستقبل السودان ؟
صفحة 'طيور مهاجرة' التقته لتجيب على بعض هذه الاسئلة فكان هذا الللقاء .
 
أجراه : ناذر محمد الخليفة .
 
 
* هل حدثتنا عن نفسك ! من هو عادل عبد العاطي ؟! (النشأة ، الدراسة؛ مثلك الأعلى ) ..؟!
عادل عبد العاطي انسان بسيط من أهل هذا البلد. ولدتُ لأسرة عمالية فقيرة في مدينة عطبرة، حيث ترعرعت ودرست الابتدائية والمتوسطة والثانوية. في عطبرة أيضاً كان تفتح اهتمامي بالسياسة والعمل العام. وعطبرة عموماُ تحتل مكانة خاصة في قلبي. لذا اعتبر نفسي في المقام الاول عطبراوياً ثم سودانيا ثم افريقيا ثم انسانا ينتمي للإنسانية جمعاء.
درست القانون لمدة ثلاثة سنوات في جامعة القاهرة الفرع، ولم اكلمه وسافرت لبولندا حيث درست الصحافة والعلوم السياسية. امضيت في الخارج حوالي العقدين من الزمن، لكن طول هذا الوقت لم اكن منفصلا عن السودان وعن اهلي واصدقائي، ولا عن العمل العام السوداني. كنت عضوا في الحزب الشيوعي السوداني وفي قوات التحالف السودانية الذين استقلت من كليهما لأسباب عديدة. كنت من مؤسسسي الحزب الليبرالي السوداني الذي اعلن يوم السبت 27/9/2008 حل نفسه واقر الاندماج مع ثلاثة تنظيمات اخرى في اطار الحزب الديمقراطي الليبرالي الموحد. لي اهتماماتي بالتاريخ والفلسفة والأدب. مطلق ولي طفلة واحدة اسمها آماليا هي غرة عيني وأكبر كنز لي في الوجود، وهي قد أكملت عامها السادس قبل أيام.
في المجال الشخصي ومن كان له أكبر الأثر في حياتي فقد كانت امي المرحومة نورة عبد الله ادريس المشهورة بنورة بت بعنيب مثلي الأعلى. ورغم انها كانت امراة بسيطة وامية، إلا انها ضربت اروع آيات التضحية والبذل لكيما تخلق منا – ابنائها وبناتها - رجالاً صالحين ونساء صالحات. كما يذهب شكري لاخواتي العزيزات ممن ساهمن في تربيتي وممن تحملن حماقاتي ولا يزلن، وهن اللاتي علمنني احترام المراة، وأحمل تجاههن كل الحب والاحترام.
 
* علاقتك بالحزب الشيوعي واسباب الخروج ؟
انضممت للحزب الشيوعي وانا يافع غض حيث كان عمري سبعة عشر عاما ونصف، وخرجت منه وانا رجل ناضج في الثلاثين من عمري. كان لي صديق سنغالي يقول ان من يبلغ العشرين وهو ليس بشيوعي فهو ناقص الانسانية، ومن يبلغ الثلاثين وهو شيوعي فهو ناقص العقل. ربما حسب نظريته اكون خرجت من هذين المذمتين (إبتسامة). عموما كانت تجربتي في الحزب الشيوعي ثرة وكان فيها الكثير من الايجابيات والسلبيات. من ايجابياتها انها كانت اول مدرسة لي في العمل السياسي، وتعرفي على صديقات واصدقاء رائعين ورائعات في صفوف هذا الحزب. من سلبياتها اهدار الوقت والجهد في اطار مشروع شمولي وحزب جامد لم يعد فيه نفع لشعب السودان.
خارج اطار تجربتي اقول ان الحزب الشيوعي قد حرك كثير من الآمال في مئات الآلاف من السودانيين عبر تجربته في ستين عاما، ولكنه سبب الكثير من الآلام لآلاف السودانيين، سواء على مستوى فردي او بالنسبة لتطور البلاد السياسي. لقد ساهم الحزب الشيوعي ايجابيا بالاهتمام بالعمل الشعبي والفئات الفقيرة ودعا بشكل ما لدعوة الحداثة، ولكنه افسد هذا كله بربطه بايدلوجية شمولية هي الشيوعية وبتجربة قاسية هي تجربة المعسكر الشرقي وبارتباطه بمحور معاد لتطلعات الشعوب، كان ضحاياه فوق ال100 مليون على مستوى العالم.
لست معاديا للحزب الشيوعي السوداني كما يصفني البعض؛ وان كنت معاديا للشيوعية بوصفها ايدلوجية شمولية رجعية، وأرى من الواجب عليّ ان انقل تجربتي ومعرفتي للناس، وأن اقول أن الحزب الشيوعي السوداني اصبح تحت قيادته الحالية حزبا رجعيا رديفا للقوى اليمينية والرجعية في المجتمع. لقد تحول ذلك الحزب في زعمي من حزب ثوري الى حزب رجعي، ومن منبر للحداثة لمنبر للتقليدية، ومن مكان لاستنهاض الطاقات الى سجن قاتل لها. مارس الحزب الشيوعي اغتيال الشخصيات وساهم في تخريب النظام الديمقراطي بالانقلابات ومصالحة الديكتاتوريات ولا يزال. اصبح الحزب الشيوعي منفرا لجموع النساء والشباب والمثقفين، تحكمه مجموعات ممعنة في استالينيتها وانتهازيتها. الحزب الشيوعي في السودان اصبح قوة رجعية وتقليدية وواحدا من اسباب الازمة السياسية.
أعتقد اني قمت بدوري – بصورة متواضعة – فيما يتعلق بإثبات تلك الحقائق لأعضاء الحزب الشيوعي الذي لي التزام اخلاقي تجاههم، وللمواطنين السودانيين الذين لي تجاههم التزام اكبر، وذلك في سلسلة مقالات ورسائل وكتابات نشرتها، جعلت البعض يصنفني كعدو عنيف للحزب الشيوعي، والبعض الآخر يصنفني كشيوعي مستتر لا ازال (إبتسامة). عموما اختم قولي باعادة الفقرة الاخيرة التي كتبتها في استقالتي من الحزب الشيوعي عام 1996 حيث قلت:- ' اننى استقيل من الحزب الشيوعى لنفس الاسباب التى دخلت بها الحزب الشيوعى : بحثا عن موقع للنضال فسيح،ورفضا للديكتاتورية والجمود، ونقضا للسلفية واللا تسامح، وبحثا عن نموذج ينطبق فيه الحلم والواقع ، ويكون للعمل ثمرته، وللجهد عائده،وللاحلام امكانية التحقق .'
 
* من الحزب الشيوعي الى الحزب الليبرالي، هذه نقلة كبيرة! يعتبرك الناس مؤسساً للحزب الليبرالي السوداني. ما صحة ذلك، وكيف نشأت فكرة الحزب الليبرالي ولماذا؟
بعد خروجي من الحزب الشيوعي كانت هناك فترة انتقالية، حيث بقيت في فترة نقاهة سياسية لمدة عام، ثم انضممت بعدها لتنظيم قوات التحالف السودانية وهو تنظيم سياسي عسكري كان ناشطا في التسعينات. جدير بالذكر اني خرجت من الحزب الشيوعي ولي تصور واضح بضرورة بناء حزب قومي ديمقراطي حديث، يكون من دعاة التغيير والتنوير، ويقطع كلياً مع ممارسات السياسة القديمة والأزمات التي افرزتها. كانت حركة التحالف الأقرب لأن تكون هذا التنظيم بما توفرت لها من آفاق، إلا ان ضيق افق قيادتها وارتباطها بالمحاور الخارجية قد عطلها من البداية، حتى تفجرت ازمتها الداخلية في سلسلة انشطارات وانقسامات منذ العام 1999. حاولت كل جهدي – مع آخرين- العمل من اجل الاصلاح والمؤسسية في ذلك التنظيم، إلا ان القيادة كانت زاهدة في ذلك تماما. في عام 2003 لم ارغب في تحمل المسؤولية اكثر عن ذلك النهج المدمر لتنظيم واعد، فاستقلت منه حين ضربت القيادة فيه المؤسسية في مقتل، في اغسطس 2003، حين رمت في سلة المهملات دعوات الاصلاح. كان خروجي من ذلك التنظيم كما دخولي فيه فردياً، ولم أحاول تنظيم انشقاق جديد فيه او انقسام، رغم القدرة على ذلك، وذلك لأني لا اؤمن بمنهج الانقسامات والتدمير، بل بمنهج البناء والتعمير.
بعدها شرعتُ مباشرة في الدعوة لقيام تنظيم ديمقراطي ليبرالي جديد، يحقق ما ظللت احلم به ، ونفضت يدي تماما من متابعة القيادات المهزومة والمأزومة. بنهاية عام 2003 كنا قد اطلقنا دعوة تأسيس الحزب الليبرالي السوداني والذي ظللت للسنوات التالية أعمل على تأسيس وتعميق فكرته ومنهجه، حتى تحقق التحول النوعي في نشاطه منذ عام 2006، حين عقد مؤتمره الأول وبدأ في الظهور كحركة سياسية جديدة فاعلة وسط القوى الديمقراطية، له وجود ادبي ومعنوي معتبر وان كان وجوده السياسي والتنظيمي صغيراً.
كانت فكرة الحزب الليبرالي ان ينهض الشباب والمثقفون والنساء وان يمسكوا قضاياهم بيدهم. كانت الفكرة ان نكف عن التذمر وان نتحمل مسؤوليتنا في بناء الجديد، والا نلقى اللوم على الاخرين بل نتصدى لمهامنا. كانت الفكرة هي رفض الجمود والقيادات القديمة التي تعاملنا معها كالقدر، وتعاملت معنا كعبيد لا بشر. كانت الفكرة هي قرن الفكر بالقول، والقول بالعمل. كانت الفكرة هي بعث الأمل من جديد، واصلاح ما افسده الساسة والقيادات التالدة بجهد من جيل جديد يملك امكانيات واعدة. كانت الفكرة ان نساهم في بناء مدماك واحد في جهد البناء الوطني، وفي بناءالبيت السوداني، وان نتحمل كامل المسؤولية عن ذلك، في حالة النجاح او الفشل.
فكرة الحزب الليبرالي هي نفس فكرة اللواء الابيض، وهي خلق تنظيم قومي سوداني ديمقراطي ينحاز للقوى الجديدة في المجتمع. او كما قال الشهيد على عبد اللطيف في الاجتماع التأسيسي لحركة اللواء الابيض وهو يتحدث عن دهاقنة الطائفيين والقوى القديمة في المجتمع: 'ونحن ما بنعتقد أن الناس ديل بيمثلونا، لأننا نحن ناس برضو وعندنا رأي في الحكاية دي'. لذا كانت فكرة الحزب الليبرالي أن نقول – مجددا- رأينا في الحكاية دي، ويا لها من حكاية. حكاية السودان البلد المأزوم رغم الوعد، المتدهور رغم كدح اهله وبذلهم عظيم الجهد.
في ثنايا ذلك كان يؤلمنا تفرق جهد القوى الديمقراطية والجديدة، وقد فشلت محاولاتنا لجمعهم للتوحد من خلال مناشدات فردية. لذلك كانت فكرة تأسيس الحزب الليبرالي أيضا ان يتيح لنا منبرا نستطيع منه ان نطرح دعوة الوحدة تلك. لذلك ومنذ البدء بدأنا في خطوات وحدوية شاقة، تماطل البعض عنها ومارسوا التآمر فيها، حتى نجحنا آخيرا بتوحيد اربعة تنظيمات ديمقراطية – صغيرة ولكن جادة- أعلنت وحدتها في مطلع الشهر السابق في حزب موحد. وقد كانت هذه التنظيمات هي الحزب الديمقراطي السوداني والحركة الديمقراطية السودانية وحركة حق – القيادة الموحدة والحزب الليبرالي السوداني، لعضويتهم وقياداتهم مني كل التحية لهذا الانجاز العظيم.
في مؤتمره الثالث والاخير بنهاية الشهر السابق اعلن الحزب الليبرالي حل نفسه والاندماج كليا في الحزب الموحد الجديد، أي الحزب الديمقراطي الليبرالي الموحد، مشكلا بذلك نهاية مجيدة لسيرة ماجدة، وبداية جديدة لمسيرة واعدة. في كل ذلك قدم الحزب الليبرالي نهجا جديدا في التقدم للأمام ومصارعة الذات وتجاوزها نحو افاق الوحدة وهزيمة التشرذم وواقع الهزيمة والشتات.
 
* مع دورك في تأسيس الحزب الليبرالي، وفي الحركة التوحيدية التي انتجت الحزب الموحد، ومع ان الكثيرون كانوا يقولون انك زعيم الحزب الليبيرالي او منظره، إلا انك لم تصبح رئيسا للحزب الليبرالي او أمينه العام، بل اكتفيت بامساك امانات معينة فيه، لماذا ؟!
والله نحن اصلا لنا موقف نقدي من مفهوم الزعامة الفردية، ولفترة طويلة كان الحزب الليبرالي يعمل دون ان يكون له رئيس، بل كانت هناك لجنة تنفيذية تدير العمل وفق مبدأ توزيع المسؤوليات ، وذلك حتى المؤتمر الأول للحزب.
مع ذلك فان واقع السودان يفرض عليك ان تلجأ لهذه الاشكال التقليدية، لأن الناس تريد أن ترى رمزاً للحزب، في شكل رئيس او امين عام او راعي او غيره. نحن لا نزال نتمسك بمبدأ القيادة الجماعية، ولن يكون بيننا زعيم أبدا، ورئيس المكتب القيادي او المكتب التنفيذي للحزب الموحد هو عضو مثل غيره يخضع ايضا للمؤسسية، ولن يكون مثل رؤساء الاحزاب الاخرى آمرا ناهيا، بل مسؤولا في حدود مسؤوليته وعاملا مع غيره من القيادات لصالح الحزب.
عدم ترشيحي للمناصب التي ذكرتها، راجع لوجود من هم افضل مني في الحزب لملئها. الاستاذة نور تاور التي كانت رئيسة المكتب التنفيذي للحزب الليبرالي، وهي المرشحة لرئاسة الحزب الموحد من طرفنا، كانت وتظل افضل شخصية يمكن ان تملأ هذا الموقع، وذلك لما تتمتع به من روح ليبرالية ومن خبرات حياتيه ومن حضور جماهيري. شخصياً أعتقد انها ستلعب دورا كبيرا في مستقبل السودان السياسي، إذا لم تقع في اخطاء القيادات التقليدية القديمة ، واذا لم يقع الحزب الموحد في اخطاء الممارسات السياسية القديمة.
عن نفسي فانا اصلا انسان زاهد في المناصب والمواقع، ولي سلبيات تمنعني من التقدم لاحتلال تلك المناصب، ورحم الله امرءاً عرف قدر نفسه. وانا هنا اقول اني لست زعيماً لأحد ولا مُنظراً لتنظيم، وانما احد قيادات الحزب اقدم مساهمتي في المجالات التي اشعر بقدرتي في المساهمة فيها ، والتي يحتاجها الحزب.
عموما مساهمتي السياسية مربوطة بجدول زمني معين فرضته على نفسي، مرتبط بتطور الحزب وحلول قيادات جيدة شابة في الصف الامامي، تسمح لنا وقتها بالتقاعد ودعم الحزب وحركة التغيير من بعيد. هذه الفترة الزمنية هي حوالي 10 سنوات، او حين وصولي الخمسين من عمري. هنا اعتقد اني يفترض ان أدخل المعاش السياسي المبكر، مختارا لا مضطرا، وان اتفرغ لما أحب من قراءة وكتابة وغيرها. مع ان القيادات السياسية لا تترك السياسة عندنا الا ان تُجبر على ذلك أو تبلغ من العمر عتيا او يُصفر لها صفارة النهاية(ابتسامة).
 
* هل الحزب الديمقراطي الليبرالي يعتبر  حزب يسار أم وسط أم يمين ، وما هي الليبرالية التي تدعون اليها ؟!
اعتقد أن هذه التقسيمات بين يسار ويمين في ظل الحالة الغائمة وعدم الفرز السياسي في الساحة السودانية ليست ذات جدوى كبيرة.  كما اعتقد أن تصنيف الحزب الديمقراطي الليبرالي ينبغي ان يقوم في الأساس علي ما يعلنه عن نفسه، أي انه حزب ديمقراطي علماني ليبرالي، يدعو للحداثة والتغيير، ويطمح إلي إعلاء دور المواطن والمواطنة، وإقامة دولة القانون والمؤسسات. هو في ذلك يتفق ويقف مع كل القوي التي تدعو وتناضل من اجل هذه القيم والبرامج والأهداف، غض النظر عن تصنيفها يسارية او وسطية او جديدة ، شرط أن تكون دعوتها تلك مطبقة في الممارسة العملية، وليست محصورة فقط في الخطاب السياسي المتناقض مع الممارسة، أو موجودة فقط في أوهام الناس عنها.
عموما هناك لبس في مفهوم الليبيرالية نفسها، وهل هي فكرة يمينية ام يسارية، حيث يعتقد كثير من الناس أن الليبرالية تعني حتما الرأسمالية، وان الاشتراكية لا بد أن تكون شمولية. هذا فهم متأخر وراجع لعهود قديمة في تطور الفكر الليبرالي من جهة، ولشدة تأثير النموذج الستاليني للاشتراكية علي الوعي الجمعي من الجهة الأخرى.
الديمقراطية طبعا مفهوم شامل يعني حكم الشعب بالشعب، أو حكم الأغلبية، ولكن الليبرالية مفهوم أكثر تخصصا، فحيث أن كل ليبرالية هي ديمقراطية، إلا انه ليست كل ديمقراطية ليبرالية. حيث نسمع ونقرا عن الاشتراكيين الديمقراطيين والإسلاميين الديمقراطيين والمحافظين والديمقراطيين اليساريين الخ ونظرياتهم، ومع اتفاق هؤلاء المذكورين جميعا علي الشكل الديمقراطي للحكم، إلا أنهم ليسوا بأي حال من الأحوال ليبراليين.
مثلا اغلب أحزاب السودان تقول أنها تقف مع الديمقراطية والحكم النيابي، ولكن اغلبها ليست ليبرالية، لا بالمعني السياسي ولا بالمفهوم الاقتصادي ولا بالطرح الاجتماعي.
الليبرالية تتميز وسط المدارس الديمقراطية الكثيرة، بأنها تجمع في حزمة واحدة عددا من المبادي والقيم والممارسات ، لا يكون الإنسان ليبراليا بنقض أياً منها. من ذلك إحترامها لحريات وحقوق الفرد الشخصية، ومحاربتها لكل أنواع الشمولية والتسلط، وحثها علي المبادرة الفردية والمسؤولية الفردية، ورفضها للتدخل الطاغي لجهاز الدولة في شؤون الأفراد والمجتمع. أي أن الليبرالية هي مدرسة خاصة، داخل مدارس الفكر الديمقراطي المتعددة.
أما علاقة الليبرالية بالاشتراكية والرأسمالية، فهي علاقة معقدة. لقد كانت ليبرالية القرنين الثامن والتاسع عشر عموما تقف مع السوق الحر وضد الإقطاعية والاشتراكية، ولكن بعد اجتهادات جون ستوارت ميل وتحول الرأسمالية إلي نظام مسيطر وظهور سلبياتها المتعددة، فقد ارتفعت دعوات العدالة الاجتماعية وسط الحركة الليبرالية، بل لقد نشأت تيارات ليبرالية معادية للرأسمالية وأخري معادية للدولة، وقد شهد القرن العشرين بروز ما أطلق عليه الليبرالية الاجتماعية، والتي شملت معظم الأحزاب الليبرالية والمفكرين الليبراليين، ويترسخ هذا الاتجاه في قرننا الحالي.
الآن هناك شبه اتفاق بين الليبراليين، علي أن العدالة الاجتماعية هي احدي الأعمدة الثلاثة التي يقوم عليها الفكر الليبرالي الحديث، مع مبدأي ضمان الحريات الشخصية والعامة، واعلاء المسؤولية الفردية. نحن كديمقراطيون ليبراليون نفهم العدالة الاجتماعية باعتبارها توفير فرص متساوية للجميع للانطلاق في الحياة، ورفع الحد الداني باستمرار لمتطلبات المواطن وما يجب أن يقدمه له المجتمع، وفقا لتطور ثروة الأمة والبلد المعين. في هذا الصدد نقف مع اقتصاد السوق الاجتماعي، ومع دولة بسيطة ولكن قائمة بمهامها الاساسيية تجاه المواطن.
بهذا الفهم وغيره، يمكن ان تقول أن الحزب الديمقراطي الليبرالي الموحد يحتل -موضوعيا- مساحة من اليسار المفترض، ولكنه أيضا له تحفظات عميقة على المنهج اليساري، وخصوصا الشيوعي منه، بل هو في خصومة فكرية وسياسية مع الشيوعية . عموما الحزب الديمقراطي الليبرالي في واقع السودان لا يملك أن يكون حزبا يمينيا أو قريبا من اليمين، اذا كان اليمين هو الدعوة للمحافظة. وبدعواته للعدالة الاجتماعية والحريات الشخصية والعلمانية الواضحة، وبضعف الساحة اليسارية بوجود بعض الأحزاب التي تسمي نفسها يسارية في خانة اليمين عمليا، فان الناس يمكن أن تراه حزبا اقرب لليسار منه لليمين.
لكن لأختصر عليك الكلام وعلى القراء، أقول اننا لسنا يمينيون أو يساريون، فقد تعالينا على هذه التصنيفات. نحن بكل بساطة: ديمقراطيون ليبراليون.
 
* هل للحزب الديمقراطي الليبرالي وجود حقيقي وفاعل في الجامعات السودانية وأوساط المثقفين؟!
ابدأ فأقول بصراحة ان وجود الحزب الديمقراطي الليبرالي في كل السودان هو وجود ضعيف. عن الطلبة فقد كنا في الحزب الليبرالي وفي نهاية الخطوة التوحيدية قد قمنا بحصر عضويتنا وسطهم، حيث حصرنا ان لنا فروعا بالعديد من الجامعات السودانية، مثل جامعة السودان والنيلين والاسلامية وجامعة الابيض وجامعة وادي النيل وغيرها. وجودنا مع ذلك في جامعة الخرطوم كان ضعيفا، وهناك عدد أخر من الجامعات لا نوجد بها كلية.
توحدنا الان مع بعض التنظيمات الاخرى في اطار الحزب الموحد سيزيدنا قوة، لكنه يظل أقل من المطلوب، حيث اننا ننوي خوض الانتخابات الطلابية في كل الجامعات التي لنا بها وجود بمفردنا ودون تحالفات، وقد كانت لنا في ذلك تجربة في جامعة الابيض في مطلع هذا العام، ننوي اعادتها بشكل اكثر نجاحا في الجامعات الأخرى. هذا سيفرض علينا مزيدا من الجهد في العمل في القطاع الطلابي.
وجودنا وسط المثقفين لا بأس به كحزب ناشيئ. اغلب قادة الحزب هم من حملة الشهادات العليا. في صفوف الحزب هناك مثقفون ومفكرون يشار اليهم بالبنان، مثل الاستاذة نور تاور كافي، ومثل الدكتور احمد عكاشة احمد فضل الله، وحملة شهادة الدكتوراة في الحزب عديدون . هناك العديد من الاعضاء والكوادر والقادة في الحزب ممن لهم خبرات عالمية وخبرات في ادارة المؤسسات وادارة الموراد البشرية وادارة المشروعات المختلفة.
وسط المبدعين لنا وجود ممتاز مقارنة بعمرنا. انضم لصفوف الحزب كتاب وفنانون مثل الرؤائي هشام ادم والشاعر والرسام محمد الفاضلابي والموسيقيين الشباب عمر رجب وصابر عبد الهادي ومازن ابو شيبة والرسامة والشاعرة اميمة الفرجوني الخ. هناك كتاب وصحفيون وخبراء اخرون في صفوف الحزب لا يتسع لي المجال لذكرهم او لم يأت اوان ذكرهم. كما هناك دعم واسع للحزب من مبدعين ومثقفين وخبراء يشار اليهم بالبنان، من الشمال والجنوب، ويمكن معرفة بعضهم من الاطلاع على النشرة الثقافية الشهرية التي كان يصدرها الحزب الليبرالي ورؤية مساهماتهم فيها.
مع كل ذلك أحب أن اوضح لك ان قطاع الطلبة والمثقفين هو قطاع واحد من القطاعات التي ينشط فيها الحزب. فنحن لا نريد لحزبنا ان يكون حزب صفوة. وانما نريده ان يكون حزبا جماهيريا منتشرا في كل القطاعات. نحن نفخر ان في حزبنا – على صغر حجمه- رجال وسيدات اعمال، وعمال مهرة وغير مهرة، ورعاة ومزارعين، ومتخصصين في ادق المجالات. في مدينة عطبرة كان للحزب الليبرالي قبل الخطوة التوحيدية اكثر من 70 عضوا، ليس فيهم الا بعض الطلبة. في كوستي والنيل الابيض عضويتنا وسط الطلبة بسيطة جدا. في جنوب كردفان وفي مدن مثل كادقلي والمجلد وابيي وبابنوسة الخ لنا وجود فاعل، ليس للطلبة فيه من نصيب. في جنوب الجزيرة والنيل الازرق لنا أعضاء ليس فيهم طلبة على الاطلاق. أحب أن اطمئنك هنا، أن الحزب الديمقراطي الليبرالي لن يكون حزبا للصفوة ابدا، ولا حزبا للطلبة والمقفين فقط. همنا ان ينتشر حزبنا جماهيريا ليصل لكل قرية ولكل بيت ولكل موان ومواطنة، ودون ذلك كل الجهد.
 
كلامك اعلاه يدحض  ما يشاع أن الحزب الديمقراطي الليبرالي هو حزب 'الكتروني'، أي موجود على مواقع الإنترنيت ولا وجود له على ارض الواقع!
والله يا سيدي لكل انسان الحق في أن ينسج ما يريد من الاوهام والإشاعات، وان يصدقها. هذا حق من حقوق الانسان ولن ننزعه عن شخص (إبتسامة). من نسج تلك الاشاعات هو مفارق للحقيقة من ناحية، وهو انسان جاهل للأسف من ناحية أخرى، اذا اعتبر الوجود الاسفيري او الوجود في شبكة الانترنت لحزبنا منقصة، وهي في الحقيقة دليل وعى كبير منا بادوات الاتصال الحديثة.
الانترنت اليوم هو واحد من اكثر ادوات الاتصال انتشارا وديمقراطية وتفاعلية في العالم. هو يجمع في آن واحد مزايا الأذاعة والتلفزيون والصحيفة والكتاب والندوة الحية، فهل يحق لنا ان نهمل اداة مثل هذه ؟؟ في الترشيحات الاخيرة في امريكا كان للانترنت وموقع اليوتوب تحديدا دور كبير في انتصار اوباما كمرشح للحزب الديمقراطي، كما ان العديد من النشاطات الجماهيرية تنسق الان عن طريق شبكة الانترنت في كل دول العالم، حتى اقلها تقدما. دولة مثل تيلكاو وهي مجموعة جزر صغيرة ما كان لانسان ان يسمع بها لولا وجود الانترنت واتاحة اسم نطاقها مجانا في العالم كاداة للتسويق والتعريف بنفسها.
حزبنا مثل غيره من الاحزاب يستخدم الانترنت كاداة من ادوات الاتصال والإعلام. وهذا يسهل علينا كثيرا، وخصوصا في بلد هو قارة مثل السودان، وفي ظل واقع تبعثر السودانيين في مختلف بقاع العالم، ورغبتنا في الوصول اليهم بفكرتنا في كل مكان. مع ذلك فان استخدامنا للانترنت لا يزال بدائيا كحزب، وهناك فروع عديدة لنا غير مربوطة بالشبكة ولا توجد عندها اجهزة حاسوب. بعض قادتنا – خلافا للسائد – لا يعرفون تماما التعامل مع الكومبيوتر. سنعمل على حل هذه النواقص حتى نكون حزبا 'الكترونيا' كامل الدسم، أي حزبا قادرأ على استخدام المعلوماتية وأساليب الاتصال الحديثة في كل مؤسساته، وادخالها في عملنا الاداري والتنظيمي والدعائي.
في هذا ايضا لا ننسى شعب السودان. ففي برنامجنا لبناء 'المجتمع المعلوماتي' هناك تصور متكامل لادخال المعلوماتية في نظم التعليم والادارة وكافة مرافق الحياة في السودان، وخصوصا في الريف. واحدة من اهم افكارنا هي تأسيس معمل كومبيوتر في كل مدرسة متوسطة وثانوية وربطه بالانترنت. انخرطنا أيضا كحزب في المشروع العالمي 'كومبيوتر محمول (لابتوب) لكل طفل'، وبمجرد توافر موارد معينة سنقوم بتوفير مليون جهاز لابتوب لاطفال السودان مجانا كدفعة اولى في اطار هذا المشروع. مليون لابتوب في اطار هذا المشروع تكلفتها 100 مليون دولار، أي تكلفة شهرين من الحرب في دارفور، تخيل!. هناك ايضا افكار لادخال الشبكات اللاسلكية المجانية التي توفر خدمات الانترنت في مدن ومناطق كاملة، بل وادخال الكومبيوتر والانترنت في مناطق نائية، عن طريق استخدام ملحقات خاصة مثل الكومبيوترات التي تدار ببدال عجلة وباستخدام موجات الميكرويف والشرائح التي تعمل بالطاقة الشمسية الخ.
سنقوم ايضا بحل مشكلة الاحتكار العلمي ومشكلة القرصنة المرتبطة بها عبر الاستخدام الواسع لحلول وبرامج الانظمة المفتوحة المجانية وذات الكفاءة العالية. حكومة المكسيك مثلا ادخلت نظام لينوكس المجاني والآمن في معظم إدارات الدولة، ووفرت بذلك ملايين الدولارات، كما حمت سمعة بلادها من الابتزاز انهم يستعلمون انظمة تشغيل مقرصنة او غير مدفوعة الثمن. هذا فوق ما تتيحه حلول المصادر المفتوحة من امكانية تطويرها لما يناسب احتياجاتك واتاحة الفرصة للمبرمجين المحليين وكسر احتكار العلم وصفويته التي تكرسه الدول الكبرى والاحتكارات العالمية.
فلنكسب ثقة شعب السودان اولا، وليصوت لنا ربع الناخبين على الاقل، وسنحول السودان حينها الى بلد رائد ليس في استخدام المعلوماتية واستهلاكها فحسب، وانما في مجال تطويرها والمساهمة في انتاجها واستخدامها في التنمية.
 
* بمناسبة الحديث عن الثقة وهذه المشاريع ، هل تنوون خوض الإنتخابات المقبلة سواء بمفردكم أم بالتحالف مع أي جهة اخرى ؟ ام ان هذا غير وارد ؟!
والله كانت هناك حوارات حول هذا الأمر في الحزب الليبرالي، وان لم نبدأ الحوار حوله في الحزب الموحد. وكنت قد كتبت مقالا مفصلا اوضح فيه موقف الحزب الليبرالي وقتها من قضية الانتخابات وتفاصيل الحوارات التي دارت فيه.
أقول لك باختصار ان الموقف العام في الليبرالي وقتها، وفي الحزب الموحد اليوم كما اظن، ليس هو التركيز على الانتخابات كعملية فنية، وانما على الشروط التي تتم فيها الانتخابات كعملية سياسية. مثلا قضية الحرب في دارفور. نحن كحزب لن نقبل ابدا قيام الانتخابات في ظل استمرار الحرب وعدم الأمن في دارفور، وفي ظل العذابات التي يتعرض لها المدنيين هناك. هذه لن تكون انتخابات، بل مهزلة وهزء بعذابات اهلنا، ونحن لن نساهم في الهزء من عذابات اهلنا بل سنفضح ذلك.
هناك أيضا قضية السودانيين بالمهجر، واستبعادهم من العملية الانتخابية. الحزب الديمقراطي الليبرالي الموحد لن يقبل هذا الأمر ابدا، وسيناضل من اجل ان يمارس هؤلاء المواطنون حقوقهم الدستورية المشروعة، وان تقاعست كل الاحزاب الأخرى عن المطالبة بتلك الحقوق.
قضية ثالثة وهي الهيمنة المالية والاعلامية لحزب المؤتمر الوطني واستخدامه جهاز الدولة لصالحه، وضد الاحزاب الاخرى. هناك ايضا انفلات الاجهزة الامنية وعملها ضد التحول الديمقراطي. هذا كله غير مقبول بالنسبة لنا، ولذا سنناضل من اجل تغيير شروط الانتخابات، ولحل النزاعات القائمة أولا، ولضمان شروط قيام انتخابات حرة ونزيهة، ولنا عدد من المبادرات والخطوات مما سنقوم بها في هذا الاطار. عموما نحن لا نعتقد ان الانتخابات ولو قامت في اسؤا شروط، هي نهاية العمل السياسي في السودان، ولا نقبل فرض الأمر الواقع علينا، مع أننا مستعدون لها ولغيرها من مفآجات الساحة. لهذا قبل وعبر وبعد الانتخابات سيكون لنا مفآجاتنا السياسية للغير أيضا، في شكل مبادرات سياسية ومدنية تعيد المبادرة للمواطنين وتجعلهم سادة في وطنهم، لا توابع للسلطة ولا الاحزاب.
أيضا وحتى اكون واضحا، أقول لك ان الحزب الموحد سيعمل كل وسعه لهزيمة المؤتمر الوطني سياسيا، باعتباره العقبة الكؤود امام سلام السودان وامنه واستقراره، وفي سبيل هذا تهون كل التضحيات. سنعمل ايضا على المدى الاستراتيجي لهزيمة القوى الطائفية فكريا وسياسيا، لأنها من اسباب الأزمة السودانية. لن نتحالف ابدا مع حزب المؤتمر الشعبي الملطخة ايدي قادته بدماء الابرياء، ونحن خصوم لكل الاحزاب الشمولية والتي لا تؤمن بالتعددية ولا بالديمقراطية والعلمانية.
توجهاتنا الوحدوية والتحالفية مع ذلك ستكون في اتجاه القوى الديمقراطية والجديدة، لأننا نؤمن ان وحدة الوطن اليوم تكمن في وحدة قواه الديمقراطية. وهدفنا الاستراتيجي هو حماية اهل السودان وضمان وحدة بلادنا، وجعل السودان مكانا صالحا للعيش الكريم لأهله، متصالحا مع مواطنيه وجيرانه، المساعدة في تحرير الفرد واتاحة الفرصة للمواطنين للتطور. كل ما ومن يدعم هذه الأهداف سنسعى اليه، وكل ما ومن يخالفها سيجد رفضنا الصارم.
 

                                  ©2010 - 2017 madeinsudan.net . All rights Reserved.

                            Alfsanf company. 3D panel Buildings experts

Powered by